-->
اعلان

السياسة الشرعية

السياسة الشرعية

     

    المبحث الأول : مفهوم السياسة الشرعية :

    ·       تعريف السياسة  :-

    السياسة في اللغة هي القيام على الشيء بما يصلحه , وسست الرعية سياسه : أي أمرتها ونهيتها , وسوِّس الرجل : إذا ملك أمرهم , والسياسة فعل السائس , يقال : هو يسوس الدواب , إذا قام عليها وراضاها , والوالي يسوس رعيته أ ي يرأسهم .

    وبهذا التعريف اللغوي فإن الساسة كلمة عربيه أصيله , و أيضا هذا يعني أن كلمة السياسة لا تنحصر فيما يتعلق بالدولة وأمور الحكم فقط , وإنما هي القيام على الشيء بما يحمله لفظ الشيء من العموم والشمول , فيجلب له ما يصلحه او الأمور الملائمة ويدفع عنه المضار والأمور المنافية

    ولفظ السياسة يتحدد بما يضاف إليه , فإذا أضيف إلى الرعية كان معنى ذلك القيام على شؤنها من قبل من يسوسها أي الوالي عليها فيجلب لها ما ينفعها ويدفع المضار عنها , ووسيلة ذلك الأمر والنهي والإرشاد  , يقول ابن تيمية رحمه الله عن العلم بالسياسة : " هو علم بما يدفع المضرة عن الدنيا ويجلب منفعتها " .

    والسياسة نوعان : سياسة عقلية وهي التي يكون العقل البشري هو المسؤل عن تدبير مصالح الرعية وتمى أيضا سياسة مدنية ؛  وسياسة شرعية : ويكون تدبير مصالح العباد بمقتضى الشريعة و وبما دلت علية , أو بما إستنبطه العقل البشري مما يحقق مقاصد الشريعة .

    ·        السياسة في النص الشرعي  : -

    لم يرد لفظ السياسة في كتاب الله سبحانه وتعالى , و إنم وردت ألفاظ إشتمل عليها لفظ السياسة مثل الصلاح والإصلاح والنهي والحكم , وقد جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كادت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء , كلما هلك نبي خلفه نبي ......., أي كان بنو إسرائيل يتولى أمرهم الأنبياء كما يفعل الأمراء والولاة .

    و الساسة هنا إجراءات وأعمال وتصرفات للإصلاح و على ذلك فإن سياسة الرعية تتطلب القدرة على القيادة الحكيمة التي تتمكن من تحقيق الصلاح عن طريق إتقان التدبير لما يراد فعله أو تركه وهذا كله يحتاج الى الإحاطة بما تتطلبه القيادة من خبرة وحنكة , وقدرة إستعمال وإستغلال الإمكانات المتاحة على الوجه الأمثل الذي يتحقق من خلاله المراد والمطلوب .

    ومن كلام أهل العلم عن السياسة مما يدل على ذلك : قال ابن جرير الطبري في بيان السبب الذي من أجله جعل سيدنا عمر رضي الله عنه أمر الخلافة في الستة الذين إختارهم :" لم يكن في أهل الإسلام أحد له من المنزلة في الدين والهجرة والسابقة والعقل والعلم والمعرفة بالسياسة ؛ ما للستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم " , وقال ابن حجر : والذي يظهر من سيرة عمر في أمرائه الذين كان يؤمرهم في البلاد أنه كان لا يراعي فقط الأفضل في الدين , بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة مع إجتناب ما يخالف الشرع منها .

    ومن أمثلة السياسة : ففي عصر الخلفاء الر اشدين قام أبى بكر الصديق رضي الله عنه من إستخلافه لعمر رضي الله عنه , وما قام به عمر أن جعل أمر الخلافة شورى في ستة من أفاضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لمصلحة الأمة , وفي عهد سيدنا عثمان بن عفان بأن جمع الناس على مصحف واحد مخافة الفرقة والإختلاف , ومن بعدهم من العصور فقد ظهرت منظومة التسعير للسلع التي يضطر إليها الناس إذا رفع أسعارها التجار بغير سبب يدعو لذلك,فكان في التسعير دفع مضرة الظلم عن الرعية من غير ظلم التجار .

    ·       السياسة عند الفقهاء : -

    إستخدم الفقهاء لفظ السياسة في مصنفاتهم  وأرادوا بها عدة معاني :

    1.     الأحكام الشرعية المتعلقة بأداء الأمانات في الولايات والأموال , والحكم بالعدل في حدود الله وحقوقه .

    2.  ما يسنه ولاة الأمر مجتهدين فيه من الأمور التي تكون الرعية معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد , وإن لم يرد بذلك نص ما دام أنه يحقق مقاصد الشريعة , ولا يخالف الشرع في تفاصيله  , وهو مايعني العمل بالمصالح المرسلة .

    و عرف السياسة أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي قال : " الساسة ما كان من الأفعال , بحيث يكون الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد , وإن لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي مع التقيد بما نزل به الوحي وعدم الخروج عنه ومخالفته .

    وبهذا فإن السياسة لم تكن تعني الإقتصار على الأحكام المتعلقة بالدولة الإسلامية من حيث شكل الدولة أو نوعها أو طبيعة السلطة التي فيها ومصدرها وكيفية ثبوتها و إنتقالها , وشروط القائمين عليها والحقوق والواجبات المتبادلة بين الحكام والمحكومين , فالسياسة الشرعية يدخل تحتها مجموعة من الأحكام سواء ثبتت بالشرع أو بالإجتهاد مما يؤدي مصلحة الدولة ويدفع عنها المفاسد والمضار .

    اما في هذا العصر فقد قيدت السياسة لتعرف بأنها كل ما يتعلق بحكم الدول حيث وردت التعريفات في الإصطلاح المعاصر , منها تعربف مارسيلو بيرلو لها بأن " السياسة هي معرفة كل ما يتعلق بفن حكم الدولة و إدارة علاقاتها الخارجية " .

    وقد عرف ها أحمد عطية الله : السياسة علم الدولة وتشمل دراسة نظام  الدولة , وقانونها الأساسي ونظام الحكم فيها و النظام التشريعي كما تشمل هذه الدراسة النظام الداخلي في الدولة  , والأساليب التي تستخدمها التنظيمات الداخلية " كالأحزاب السياسية " في إدارة شؤن البلاد أو للوصول إلى مقاعد الحكم .

    وبهذه التعريفات فإن الساسة المعاصرة قد حصرت في الحاكم وأفعاله التي يقوم بها من وجهة نظره الشخصية فمن هنا أضطر إلى تقييد السياسة بالشرعية لتكون الشريعة مقيده لأفعال الحاكم ولا يخالفها , فإذا كانت السياسة تعني الإصلاح والإستصلاح فهذا لا يعني حرية التصرف في فعل ما يراه الحاكم صالحا من وجهة نظره إذا كان هذا التصرف يخالف الشريعة .

    السياسيون والكاتبون في  القانون الوضعي قد حصرو السياسة في نظام الحكم الذي هو جزء من السياسة بمعناها الواسع الذي يشمل أمور الحياة كلها من السياسة بمعناها لضيق ( نظام الحكم ) واقتصاد ومعاملات وقضاء وعلاقات دولية وبهذا فإنتعريف السياسة يكون : إنها قيادة وإدارة المجتمع في جميع النواحي الداخلية والخارجية وأمور الدين والدنيا لجلب المصالح ودفع المفاسد المتعلقة بالفرد أوالمجموع , بالعدل والحق , رغبا ورهبا , لتحقيق الغاية التي خلق الإنسان من أجلها بما يوافق كليات الشريعة وجزئياتها ولا يتعارض معها , إضافة الى النظم والترتيبات التي يمكن بها تحقيق ما تقدم .

    ولقد عرف أبو البقاء الكفوي السياسة الشرعية في كلياته حيث قال : " السياسة هي إستصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في العاجل والآجل , وهي من الأنبياء على الخاصة والعامة في ظاهرهم وباطنهم , ومن السلاطين والملوك على كل منهم في ظاهرهم لا غير , ومن العلماء ورثة الأنبياء على الخاصة في باطنهم لا غير ".

    والسياسة إذا كانت تنطلق من الشريعة وتتقيد بنصوصها وأحكامها كانت سياسة شرعية , وإما إن كانت تنطلق مما ترى العقول صوابه من خلال تصوراتها وتجاربها من غير تقيد بالشرع فهذه سياسة عقلية أو مدنية , وهي مباينة للسياسة الشرعية .

    ·        أقسام السياسة الشرعية :-

    1.     السياسة الإلهية وهي في القرآن الكريم .

    2.     السياسة النبوية وهي في السنة .

    3.      السياسة الإجتهادية وهو ما ثبت بقواعد الإجتهاد المعروفة في أصول الفقه .

    وبما أن هذه الأقسام مرتبطة بالقرآن والسنة والإجتهاد , فإن السياسة الشرعية ليست ممقتصرة على زمن معين بل هي متطورة بتطور العصور والأزمنة لا تقف عند حد من السياسات , بل هي محققة لأصول ىالشريعة ومقاصدها , مواكبة للتطور الداخل على حياة الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه .

    المبحث الثاني : أسس السياسة الشرعية و مصادرها ومزاياها :-

    ·        أسس السياسة الشرعية :-

    أولا : الحاكمية لله :.... إن إرتباط الحاكمية لله بمصير البشر يعني السعادة للناس والتقدم الحضاري والمجتمعي والأمن والسلام والرخاء الإقليمي والعالمي , والتاريخ شاهد على ان أعظم الفترات التي كانت تحياها البشريه كانت تحت الحكم الإسلامي وشريعته السوية المستقيمة , و كذلك أشقاء الفترات وثقها التاريخ كانت تحت حكم الطواغيت التي كانت تعتدي على الحكم وتشلرع وتسن لنفسها القوانين بما يحميها ويظلمون بها الناس , فها هي الرأسمالية قد شرعت ما يخدم الرأسماليين و يظلم العمال , وكذلك الثورة البلشفية عندما سيطرت على الحكم شرعت القوانين التي تخدم بها نفسها و ظلمت اصحاب رؤوس الأموال فهذا هو الحكم اوضعي البشري الذي إذا ما سيطر على مقاليد الحكم رتب لنفسه ما يحميه و يظلم الناس , ولذلك نجد الكراهية والأحقاد بين الناس وهذا قول الله سبحانه وتعالى { " ومن أعرض عن ذكري فلإن له معيشة ضنكا و نحشره يوم القيامة أعمى "} .

    فالحكم لله وحده لا شريك له نزله على رسوله فم إلتزم به لقي السعادة والرخاء في نظام الله تعالى الذي لا يوجد به ظلم ولا جور وتحيذ لفئه على الأخرى , قال ربنا جل وعلا : { " إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون "} .

    ثانيا : العدل : ... العدل أساس الملك , وبه يطبق حكم الله تعالى و ينال الناس حقوقهم وتطمئن به نفوسهم , قال رب العزة في كتابه في سورة النحل { " إن الله يأمر بالعدل والإحسان و إيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون "}

    و أمر الله سبحانه بالعدل في الحكم بين الناس لأن هذا يرفع البغضاء والعداوة من النفوس ويعطي كل ذي حق حقه ويولد الطمأنينه والراحة النفسية , قال تعالى : {" ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى "} .

    ثالثا : المساواة :.... وهذه من أهم أسس الشريعة الإسلامية إذ أن نظرة الإسلام للناس كلهم واحدة لا فرق بينهم بغنى أو بفقر أو أسود وأبيض ولا حاكم ومحكوم , وإنما هي التقوى والعمل الصالح قال تعالى في سورة الحجرات : {" ياأيها الناس إنها خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم "} , ولقد سعت الشريعة الإسلامية لتحقيق مبدأ المساواة بين الناس لتكون النفوس راضية ومطمئنة من ناحية إنتمائهم لهذا الدين الحق و دفاعهم عنه بكل قوة وإخلاص .

    رابعا : الشورى :... الشورى من الأسس الهامه في النظام الإسلامي، وهي واجبه على كل حاكم وهذا ثابت بقول الله جل وعلا في سورة آل عمران  "} وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله "} وهذا أمر من الله بالشورى وكل أمر للوجوب مالم يوجد صارف يصرفه ، قال صاحب التفسير الكبير " ظاهر الأمر الوجوب في قوله وشاورهم : يقتضي الوجوب.

    ومن السنة النبوية ما يقرر الشورى حيث جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما رأيت أكثر مشاورة لأصحابه من النبي صلى الله عليه وسلم. والإسلام لم يحدد وضع الشورى ولا كيفيتها لأن النظام يختلف من بيئه لأخرى و أكتفى بالتنبيه عليها و أنها ركيزة هامه في الدوله المسلمة، وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الشورى من أن يستشير أصحابه كما في غزوة بدر و أحد، لأن الشورى تربيه للناس على الإدراك الصحيح لعامة الأمور التي تواجه الأمه، و سار على دربه صحابته الكرام رضي الله عنهم من بعده حيث طبقوها في إختيار حاكم الدولة الإسلامية .

    خامسا الطاعة:.... إذا كان العدل واجب على حاكم الرعية فالطاعة واجبه على الرعية وهذا ثابت بالقرآن والسنة حيث يقول الحق تبارك و تعالى :{" يا أيها الذين آمنو أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم "} ولتحقيق تلك الطاعة ينبغي على الحاكم ان يبني الثقة المتبادلة بينه وبين قادته وجنوده وشعبه , وبهذه الثقة يتحد جميع طوائف الأمة وتقوى شوكتهم وينالون العزة والكرامة والشرف , قال أبو ذر رضي الله عنه :   {" إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع و إن كان عبدا مجدع الأطراف "} .

    ويقول إبن تيمية : {" فإذا كان الإسلام قد أوجب في أقل الجماعات و أقصر الإجتماعات أن يولى أحدهم , كان هذا تنبيها على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك "} , وهذه الطاعة لا تكون مطلقة بل مقيده بمنهج الله الله الذي أنزله على رسولة أي تكون الطاعت فيما يحب الله و في طاعته أولا ولا تكون معصية .

    سادسا : العبودية لله رب العالمين :  وهي الإلتزام بتعاليم الله ومنهجة في كل جوانب الدولة من الحاكم والمحكومين , قال تعالى : {" قل إن صلاتي ونسكي ومحياي و مماتي لله رب العالمين "} فإذا وجدت الإستقامة في نفوس الناس استحقو إستخلافهم في الأرض قال تعالى : {" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا "} .

    ·        مصادر السياسة الشرعية :-

     وبما أن السياسة شرعية فإن مصادرها ستكون مصادر الشريعة الإسلامية و أحكامها وهي نوعان :

    مصادر نصية : وهي الكتاب والسنة والإجماع وقول الصحابي وشرع من قبلنا .

    مصادر إجتهادية : وهي مصادر تعتمد على المصادر النصية كالقياس و والإستحسان وسد الذرائع والمصالح المرسلة .

    أولا القرآن الكريم : و قد ترد الأحكام الشرعية في كتاب الله بصيغة مباشرة أو ترد أحكام تدرك بالإجتهاد , فمن النوع الأول مما يعد من السياسة الشرعية ما فعله سيدنا يوسف عليه السلام من التصرف الذي مكنه من أخذ أخاه في دين الملك من إخوته حيث لم يكن يمكنه أخذ أخيه في ذلك الوقت , وقد بين الحق تبارك وتعالى أن ما فعله يوسف عليه السلام كان مما أرشده الله إليه قال تعالى {" كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك "} فهي بذلك من السياسة الإلهية .

    ومن ما جاء في باب الإجتهاد في كتاب الله بيان شروط مما يدل على من يتولى أمر المسلمين على سبيل المثال لا الحصر العلم  وسلامة البدن والحواس لمتولي أمر الولاية مع عدم إشتراط امتلاكه لنصاب مالي معين قوله تعالى في قصة ولاية طالوت على بني إسرائيل {" قال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا "} فتعجبوا و أنكروا كلامه حيث قالوا : {" قالوا أنا يكون له الملك علينا و نحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال "} أي أنهم ظنوا أن الملك لابد أن يكون عنده مال ليتولى أمرهم فين الله لهم على لسان نبيه أن  الولاية لا تحتاج وفرة من المال حيث أن العلم وسلامة البدن أهم من المال , قال تعالى : {" قال إن الله اصطفاه عليكم و زاده بسطة في العلم والجسم "} فالعلم يمكنه من إتخاذ القرارات الصحيحة على شكلها الأمثل , وسلامة البدن تساعد على تحقيق مقصود الولاية على وجه لا يشوبه خلل .

    ثانيا السنة النبوية : و الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم  دلالتها إما مباشرة و إما تدرك باإجتهاد , فمن الأحكام المباشرة عدم تولية من يطلب الإمارة , فعن أبى موسى الأشعري قال : دخلت على انبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي , فقال أحد الرجلين : يا رسول الله , أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل , وقال الآخر مثل ذلك , فقال صلى الله عليه وسلم : " إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدا سأله , ولا أحدًا حرص عليه " .

    ومن الأحكام الإجتهادية في السياسة الشرعية من السنة النبوية مسألة  استخلاف الإمام لشخص صالح للإمارة يكون بديلا عنه متى ما شغر منصب الإمامة وهذا ن واضح في تولية أبى بكر رضي الله عنه الولاية بعد وفاة رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم , فقد جاء في الصحاح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هم بكتابة كتاب حمله كثير من أهل العلم على أنه لأبي بكر بالخلافة من بعده ثم تراجع عن ذلك وعلل ذلك بقوله  : " يأبى الله والمؤمنون إلا أبى بكر " .

    ثالثا الإجماع  :  وهو إتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على نسبة أمر من الأمور للشريعة , وقد أجمع صحابة النبي صلى الله عليه وسلم على أن الولاية لا تكون بالغصب , وإنما تكون بالشورى بين المسلمين , وهذا ما دعا إليه سيدنا عمر رضي الله عنه في آخر خطبة له عندما أحس بدنو أجله , قال: من بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين , فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا  , أي من بايع أحد للولاية من غير مشورة مضطهدا حق المسلمين في ذلك فلا بيعة له ولا لمن بايعه وليحذرا أن يقتلا .

    المصادر الإجتهادية :  والأهم في المصادر الإجتهادية في السياسة الشرعية هي مراعاة المصلحة  و درء المفسدة , فإذا تعارضت مصلحتان فالأولى للأعلى منهم إذا كانوا لا يجتمعان معا , وإذا تعارضت مفسدتان فتدرء المفسدة الكبرى حتى لو أدى ذلك للوقوع غي المفسدة الكبرى ومن تلك المصادر ما يلى :

    القياس : وهو قياس الفرع على الأصل مع وجود علة تربط بينهم مثل : بطلان قضاء القاضي وهو مريض , قياسا على بطلان قضاء القاضي وهو غضبان ؛ لإجتماع علة تشتت الفكر بينهم .

    الرأي: وهو ما يراه القلب بعد فكر و تأمل وعصف للذهن عملا بقوله تعالى :{" فتكون لهم قلوب يعقلون بها "} وقوله تعالى {" إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد "} {" إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا "} , ففي قصة سيدنا عمر رضي الله عنه مع المرأه التي حملت وكان زوجها قد غاب عنها في الجهاد فرجع فاختلف في حملها فأشار معاذ على عمر انتظار المولود للحكم بشأنها فلما جاء المولود أقسم أبوه على أنه قطعة منه , فقال عمر لولا معاذ لهلك عمر ,  و قد أعمل الصحابة رضي الله عنهم عقولهم فيما لا نص فيه وكذلك المفسرون فسروا القرآن بالرأي ولكن بشروط  وجب تحققها في المفسر بالرأي .  

    ·       مزايا السياسة الشرعية :

    وتميزت السياسة الإسلامية بمميزات عديدة منها :-

    أولا : الربانية : اي النظام السياسي هو نظام رباني وهو نوعان : الأول ربانية المصدر ويقصد بها أن هذا النظام هو من الله تبارك وتعالى أنزله في كتابه وعلى نبيه , قال تعالى :{" ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون "} , وكذلك كل ما جاء في السنة عن النظام السياسي فهو رباني المصدر لأن الله تبارك وتعالى قال :{" وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا "} , ولهذا فإن النظام السياسي الإسلامي خالي من التناقض والبراءة من التحيز وتحرر الإنسان من عبودية الإنسان , وإخلاص العبودية لله تعالى , والثاني ربانية الوجهه وهي أن يبتغي الإنسان بعمله الله سبحانه وتعالى عملا بقوله جل وعلا : {" قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين & لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"} , فهكذا يتعبد الإنسان لربه بتوجيه جميع أعماله اليه ومن ضمنها أن يسير على النظام السياسي الإسلامي الذي هو من شرع الله الذي أنزله في كتابه وعلى نبيه صلى الله عليه وسلم , وفي سنن الترمذي عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {" إن أحب الناس إلي يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل , وأبغض الناس إلى الله و أبعدهم منه مجلسا إمام جائر " } , وهذا يدل على أن الإعراض عن سياسة الله ونظامة يعاقب عليها من الله سبحانه وتعالى .

    ثانيا العالمية : وهو أن الدين الإسلامي بتعاليمه ونظمه وسياساته عالمي الزمان والمكان , أي أنه يصلح في أي زمان الى قيام الساعة وفي أي مكان في أنحاء الأرض , ولجميع الناس بإختلاف أجناسهم ولغاتهم , قال تعالى {" وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين "} , وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم {" أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي , نصرت بالرعب مسيرة شهر, وجعلت لي الأرض مسجدا و طهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاه فليصل , وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي , وأعطيت الشفاعة , وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة و أنا بعثت إلى الناس عامة "} وبما أن مصدر هذا الدين ما زال محفوظا من التحريف والتبديل فهذا دليل قاطع على عالمية هذا الدين و أنظمته بإختلاف أنواعها .

    ثالثا الشمول :  إن النظام السياسي الإسلامي لم يأتي قاصرا على مايهم الحاكم والمحكوم  فقط بل جاء شامل لكل ما يحتاجه النظام  من بيان الواجبات وتوضيح الحقوق , وتنظيم علاقة الدولة خارجيا مع الدول الأخرى سواء إسلامية أو غير إسلامية , قال تعالى : {" ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة و بشرى للمسلمين "} و عن أبي ذر قال :{" لقد تركنا محمد صلى الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علما "} .

    رابعا الواقعية : وهي ضد المثالية و وفي النظام الإسلامي تعني , الإتيان بالأنظمة والتشريعات السياسية الممكنة التطبيق في واقع البشر , النظر إلى الحاكم على أنه بشر له حقوقه وعليه واجباته , وعدم التجاوز في حقوقه إلى ما ليس له , النظر الى المحكوم على أنه بشر له حقوقه وعليه واجباته , وعدم البخث من الحقوق مما هو له  , وهذا هو النظام السياسي الذي لم يأتي مثله أو يحقق سياسته , فقد جاء النظام السياسي الشيوعي و الرأسمالي والديمقراطي والفارسي والنصراني كلهم كانوا يأتون بسياسات غير واقعية ولذلك فشلوا ولم ينجح منهم أحد في تحقيق مراده , فقد ظلموا و إضطهدوا الناس بسياساتهم الوضعية الغير سوية .

    خامسا الوسطية :  جاء الإسلام وسط في عقيدته , وسط في شريعته بين الغلو والتقصير , كذلك وسط في أنظمته ومن جملتها النظام السياسي في الإسلام , فلا هو نظام ديكتاتوري مفْرِط , ولا نظام ديمقراطي مفَرِّط , ولهذا أصبح خير نظام عرفته البشريه حتى الآن .

    قال رب العزة جل وعلا في كتابه الكريم  {" وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا "} , والوسط يعني الخيار والأجود , وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وسط في قومه أي أشرفهم نسبا , قال القرطبي : ووسط الوادي خير موضع فيه , ولما كان الوسط مجانبا للغلو والتقصير كان محمودًا .

    المبحث الثالث : الدولة وتأثير السياسة الشرعية في قيامها :-

    ·        مفهوم الدولة :

    لغة : يشير لفظ الدولة في اللغة الى أكثر من معنى , فالدَّولة و الدُّولة العقبة في المال والحرب سواء , والجمع دُوَلْ و دِوَلٌ , كذلك فالدولة هي الإنتقال من حال إلى حال كالإنتقال من الشدة إلى الرخاء قال تعالى {" وتلك الأيام نداولها بين الناس "}, أو العكس والدولة أيضا الغلبة  .

    إصطلاحا : إختلف علماء القانون في تعريف شامل للدولة ومرد ذلك يرجع الى إختلافهم في المعايير التي يضعونها في إبراز صفة الدولة لجماعة معينة , فبينما يرى فقيه أن الدولة هي مجموعة من الأفراد استقرت في إقليم معين ويحكمها تنظيم معين والجماعة في مواجهة الأفراد سلطة عليا آمرة وقاهرة , يرى فقيه آخر  أن الدولة هي مجموعة من الأفراد تقيم في إقليم معين وتخضع لسلطان طائفة فيها .

    ويرى البعض الآخر أن الدولة هي جماعة كبيرة من الناس تقطن على وجه الإستمرار أرضا معينه وتخضع لحكومة منظمة تدير شئونها , وبعض علماء القانون لا يشترط وجود حكومة بل يكتفي بالشعب والأرض والخضوع لقانون معين ومن هذه التعريفات يلاحظ انها مشتركة فيما يلي : الشعب والإقامة على أرض معينة , وجود هيئة حاكمة ذات سلطة .

    ومن خلال معاني الدولة في اللغة  , ودلالا تها في القرآن والسنة والربط بينهما صيغ هذا التعريف :هي الإطار النظامي الذي تجسد من خلاله الجماعة المسلمة استخلافها السياسي ؛ لتحقيق شهودها الإيماني في حراسة الدين والسياسة الدنيوية به بين أعضائها وبين غيرها من الجماعات الأخرى .

    ·   حكم قيام الدولة في الفقه الإسلامي :  إهتم الفقهاء المسلمون بمسألةالإمامة وحكمها إهتماما كبيرا , جمهور أصحاب الحديث من الأشعرية والفقهاء وجماعة الشيعة والمعتزلة بوجوب الإمامة فرضا من الله تعالى , قال ابن حزم اتفق جميع أهل السنة والمرجئة والخوارج على وجوب الإمامة وأن الأمة واجب عليها الإنقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله ويسوسهم بأحكام الشريعة .

    ثم إنقسمو ثلاث فرق , فقال أكثر الأشعرية : إنها تجب شرعا لأن الإمام يقوم بأمور الشريعة , وقال الشيعة الإمامية : تجب الإمامه عقلا فقط للحاجة إلى زعيم يمنع التظالم , ويفصل بين الناس في التنازع والتخاصم , وقال بعض المعتزلة تجب الإمامة عقلا وشرعا .

    والراجح أن وجوب الإمامة وجوب شرعي ؛ لأن أحكامها تؤخذ من الشرع , ولا يجب أن تحيد عنه وكل ما جاء به الشرع فهو موافق للعقل لا محالة , أما سبب رد إضافة الإمامة للعقل فقط لأن العقل لا يوجب ولا يحرم لأن هذا يثبت بنص شرعي , قال أبو يعلى " إن طريق وجوبها السمع لا العقل ؛ لأن العقل لا يعلم من فرض شيء ولا إباحته ,ولا تحليل شيء ولا تحريمه " .

     

     

     

    الخاتمة :-

    وبهذا نكون قد تعرفنا على أن السياسة الشرعية هي النظام الرباني الإلهي الذي أنزله رب العزة جل وعلى في كتابة وعلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم , وأن من يلتزم بهذه السياسة وهذا النظام سيجد رفعة وعزة الإسلام التي قد عرفتها الأمة الإسلامية في تلك العصور التي كان يحكم فيها بشرعية الله وبنظامه , والسياسة الشرعية هي العالمية والشمول صالحة لكل زمان ومكان وكل حدب وصوب , وأن غيرها من السياسات التي ظهرت لم تكن بتلك الواقعية التي ظهرت بها السياسة الشرعية والنظام الإسلامي فقد طبق كل أحكامه وبين أنه هو الدين الحق وأن ما دونه كفر وضلال .

    مقالات خفاجي
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع خفاجي Khfagy .

    إرسال تعليق

    اعلان
    اعلان
    اعلان
    اعلان
    اعلان